الصالحي الشامي
354
سبل الهدى والرشاد
واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو الاستماع ، وشرعا : الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة . الثاني : في بعض أسرار الأذان وبدائعه ، قال القاضي : " الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات ، فأوله إثبات الذات ، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها ، وذلك بقوله : " الله أكبر " ، وهذه اللفظة مع اختصارها دالة على ما ذكرناه ، ثم صرح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية ، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع ، وتلك المقدمات من باب الواجبات ، وبعد هذه القواعد كملت العقائد فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى . ثم دعاهم إلى ما دعاهم الله إليه من العبادات ، فدعاهم إلى الصلاة ، وعقبها بعد إثبات النبوة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل . ثم دعا إلى الفلاح ، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء ، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام . ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها ، وهو متضمن لتأكيد الإيمان ، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان ، وليدخل المصلي فيا على بينة من أمره وبصيرة بإيمانه ، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمه حق من يعبده وجزيل ثوابه " . انتهى كلام القاضي . قال النووي : " وهو من النفائس الجليلة " وبالله التوفيق . قلت : قد ألف الإمام الحافظ برهان الدين البقاعي ( 1 ) رحمه الله جزءا لطيفا في أسرار الأذان سماه " الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان " . وأنا مورد هنا ما ذكره في الأذن ليستفاد فإنه نفيس جدا . قال رحمه الله بعد أن أورد أحاديث بعض الأذان والتشهد : " مقصوده - أي الأذان - الإعلام بأوقات الصلاة تنبيها على أن الدين قد ظهر ، وانتشر علم لوائه في الخافقين واشتهر ، وسار في الآفاق على الرؤوس فبهر ، وأذل الجبابرة وقهر وأعلم أنه لما كان الدين المحمدي دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره ، قد علا كل دين ، فظهره كل مخالف
--> ( 1 ) إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي ، أبو الحسن برهان الدين : مؤرخ أديب ، أصله من البقاع في سورية ، وسكن دمشق ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة ، وتوفي بدمشق ، له " عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران " ، و " عنوان العنوان " مختصر عنوان الزمان ، و " أسواق الأشواق " اختصر به مصارع العشاق ، و " الباحة في علمي الحساب والمساحة " و " أخبار الجلاد في فتح البلاد " و " نظم الدرر في تناسب الآيات والسور " و " بذل النصح والشفقة للتعريف بصحبة ورقة " وله ديوان شعر سماه " إشعار الواعي بأشعار البقاعي " . توفي 885 ه . الأعلام 1 / 56 .